30052017الثلاثاء
Top Banner
pdf download
07 أكتوير 2016

لماذا يختلف الناس في مقتل ناهض حتر؟

المؤرخ محمد الهامي

باحث مصري، متخصص في التاريخ والحضارة الإسلامية، عضو رابطة الأكاديميين العرب في تركيا، من مؤلفاته: نحو تأصيل إسلامي لعلم الاستغراب، التتار في الفكر والأدب والتاريخ، رحلة الخلافة العباسية.

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

مقتل ناهض حتر وما يثور حوله من نقاش، من أدلة استحالة التقاء العلمانية بالإسلام.

 

مركز العلمانية هو «الدولة»، كتابها المقدس «الدستور»، هي الجهة الوحيدة المخولة بفعل أي شيء في المجتمع، والنضال المسموح به فيها هو «النضال الدستوري» لدفع الدولة لتوسيع مساحة حرية المجتمع في الفعل والمشاركة في الحركة، فالحكومة الصالحة في نظر العلمانية (الليبرالية) هي الحكومة التي تعطي المجتمع هامشًا واسعًا للحركة، وتدعم منظمات المجتمع المدني، وتسمح بمساهمة المجتمع في النشاط التعليمي والاقتصادي والثقافي.

 

لكن في النهاية، كل هذا محكوم بالقاعدة الكبرى: الدولة هي الأصل، هي الفاعل، هي -كما يقول هيجل- «ظل الله على الأرض»، ولا يُسمح بمخالفة الدستور (الدستور الوضعي الذي وضعه ممثلو المجتمع حين صاروا في موقع السلطة أي في هيكل الدولة)، فلا يمكن التسامح مع حركة تعمل لإعادة الملكية في بلد ينص دستورها على الجمهورية، ولا حركة تعمل على تمكين الكنيسة في بلد علماني، ولا حركة تشكل ميليشات مسلحة في بلد دستورها ينص على احتكار القوة في الجيش النظامي.

 

الخلاصة: الدولة هي المبدأ والمرجع والمنتهى.

 

بينما مركز الدولة في الإسلام هو «الدين»، فالدولة نفسها هي وسيلة إقامته، وتعريف السياسة عند فقهاء السياسة الشرعية هو «ما يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد» (والصلاح هنا بالمعنى الشرعي لا بمجرد المعنى المادي الدنيوي كالرفاهية والرخاء)، ووظيفة الإمام كما في كتب السياسة الشرعية «حراسة الدين وسياسة الدنيا به»، وللمجتمع في هذه الدولة مساحة واسعة مفروضة بالأصل له، ولا يقيدها الحاكم إلا بنص أو باضطرار، فالأصل أن النشاط داخل الدولة الإسلامية نشاط مجتمعي، وكثير منه محميٌّ بنصوص قرآنية ونبوية وسنة الخلفاء الراشدين (التي هي كالنص في باب الإمامة تبعا لنص: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي).

 

ولذلك يتوجه النداء دائما إلى مجتمع المؤمنين (يا أيها الذين آمنوا)، حتى إن قومًا من الإسلاميين (كثير منهم أكاديميين في تخصص العلوم السياسية) تطرفوا في هذا الفهم حتى يُفهم من بعض كلامهم إرادة تهميش السلطة تماما من واقع الحياة، ما بينهم وبين الأناركيين إلا خطوة واحدة إلا أنهم لم يُحَصِّلوا ثورية الأناركيين!

 

المهم هو أن «الدين» هو المقدس، هو المبتدأ والمرجع والمنتهى، ولذلك ربما اندفع بعض الناس -بغير سلطة من الدولة- لتغيير المنكر، وهذا هو الأصل، فيختلف الفقهاء في شأنهم اختلافًا واسعًا، هذا الاختلاف مرده إلى قياسهم وموازنتهم بين «الفوضى» وبين «بقاء المنكر»،

 

ولقد وصل خلافهم إلى ذروة هذه الصورة: الرجل الذي أقام حدًّا من حدود الله بغير إذن من السلطان، ما عقوبته؟!

 

هنا يختلفون اختلافًا واسعًا في العقوبة، وخلاصة الأمر أنها تكون تقديرية من السلطان، بحسب ما يترتب على ذلك من المصالح والمفاسد.

 

انظر وتأمل هنا:

 

رجل قام بتغيير منكر، في أمر من صميم عمل الإمام، والإمام هنا المفترض فيه (كما في الصورة النظرية التي يفترضها النص الفقهي) أنه لو سبق إلى صاحب المنكر لأقام فيه حد الله، فالإمام يحكم بالشريعة طبعا (وهذا بديهي في تصور الفقهاء)، ومع هذا لم يجعلوا من قام بتغيير المنكر مخطئًا في تغيير المنكر أو قاتلا لنفس معصومة أو نحوا من هذا، بل جعلوه (متعديا على حق الإمام)، يسمونه (الافتئات).

 

وهنا فارق واضح وضخم بين تقييم الفعل في النظامين «الإسلامي» و«العلماني»،

 

وبينهم خلاف طويل يحاول أن يجمع بين خير إزالة المنكر ووجود مقاومة اجتماعية طبيعية له لا تنتظر إذن الدولة، وبين شر اندفاع كل جاهل لتغيير ما يظنه منكرًا فيفضي هذا إلى الفوضى.

 

فأين يأتي أحد الآن، ويحاول أخذ كلامهم هذا وإنزاله في حالتنا نحن التي أوضح معالمها أن الحكام عملاء، مفروضون على الأمة، نصبهم أعداء الأمة في مواقعهم، وهم يحافظون على مصالح هذه الأعداء، وكلما تمكن أحدهم نشر الكفر في بلده، وهو من أتاح لمن يسب الله ورسوله ودينه مكانه في موقع الثقافة والصحافة والنشر، وهذا الذي يسب الله في بلادهم لا يفعل هذا إلا بضوء أخضر منهم، ولو حوكم فلن ينفذ فيه حكم الله أبدًا، ولا قانون المحاكمة هو الشريعة، ولا قضاتها من الشرعيين والعلماء، بل ربما يخرج دون أن يمس بسوء فيعود لموقعه في ساحة السياسة والثقافة والصحافة يمارس المزيد من الكفر وسب الله ورسوله.

 

هل يصح في العقل أن يؤخذ نص فقهي من ظل الدولة الإسلامية لينزل على هذه الحال؟!

 

لكن المأساة هنا هي أن الحكام يريدون فرض العلمانية في بيئة إسلامية، والبيئة الإسلامية تقاوم هذا منذ مائتي سنة أو مائة سنة (باختلاف حال البلدان، وزمن احتلالها وسيطرة الأجانب عليها)، فلا هي تستطيع فرض الكفر كله لتجعل الدولة هي مركز ومصدر المعرفة والمرجعية، ولا المجتمع الإسلامي متقبل لهذه المنظومة الثقافية العلمانية، وتاريخ التوتر كله في القرنين السابقين هو تاريخ الصراع بين العلمانية المفروضة والمقاومة الإسلامية في هذه البلدان.

 

ثم ابتلينا بمن بدأوا حياتهم إسلاميين يقاومون النظام العلماني ويسعون لتغييره، استطاع النظام العلماني أن يحتويهم ويدجنهم ويجعلهم علمانيين في أعماقهم، يعظمون الدولة ويرفعونها على الدين (والنموذج هنا في التنظير: راشد الغنوشي)، ولذلك تكثر في مصطلحاتهم ألفاظ: الوطن، الهوية الوطنية، التعايش المشترك، الدولة، القانون، الدستور، مؤسسات الدولة، أكثر بكثير جدًّا جدًّا من ألفاظ: الشريعة، المنكر، الثوابت، المقدسات، الهوية الإسلامية … إلخ!

 

صحيح أن زمن خدعة الديمقراطية (الممتد بشكل أساسي من السبعينيات حتى العقد الأول من الألفية الثانية، مع اختلاف في أحوال الدول) أنتج طبقة من الفقهاء والمفكرين الإسلاميين يتصورون إمكانية التقاء الإسلام مع نظام الدولة الحديثة، لقد افترضوا أن الدولة مجرد هيكل محايد يمكن ملؤه بقيم وهوية المجتمع بلا تعارض، تماما كسيارة النقل: يمكن أن تضع فيها المصحف أو تضع فيها الخمر!

 

لكن هذا التصور ما زال ينهدم وينكسر تحت وطأة الضرب الفكري الذي ينقد الدولة الحديثة ونظامها ويكشف أنها منتج غربي حضاري لا مجرد وسيلة محايدة، ثم ما زال ينهدم وينكسر تحت وطأة الواقع المثقل الحافل بالانقلابات والحروب على الإسلاميين بتعاون كامل بين الغرب والشرق بين حكام العرب والعجم، حتى كثر بعد الانقلابات حديث أن هذه الدولة نفسها باعتبارها نموذجًا ومؤسسات هي من أهم عوائق نجاح الثورات وتحرر الأمة، ولا يزال التفاوت موجودًا بين المتجهين إلى هذه الوجهة (كثيرا منهم يعطله انخداعه بالاحتواء الحاصل في تونس والمغرب والأردن، يظنها تجارب ناجحة وستنجح، لكنه سيفاجأ بعد وقت لا أحسبه يطول بما كان فيه من وهم)، لكن الحاصل أن مزاج الثورات عامة صار يحكم على هذا النظام نفسه وهذا النموذج نفسه بعدم الصلاحية.

 

هذا الخلاف الفكري الكبير على مستوى النظرية السياسية لا يمكن شرحه إلا في نطاق مؤسسات البحث، وبصياغات معقدة، لكن تأتي حوادث بسيطة فتكشفه بوضوح، منها حادثة اغتيال فرج فودة أو ناهض حتر أو الاعتداء على فتاة ليل أو قتل من وقعت في الزنا من قبل أهلها أو إحراق مقر صحيفة تنشر الكفر والفجور… إلخ!

 

هنا يصطف الناس اصطفافهم القديم الكبير: من جعل «الدولة» مركز التفكير انحاز مباشرة إلى معسكر إدانة ما وقع، ومن جعل «الدين» مركز التفكير انحاز مباشرة إلى معسكر الترحيب بما وقع!

 

وكثير من الأفاضل والمحترمين ينحازون إلى الدولة لكن بغير فهم ولا تقدير لموقفهم هذا، وإنما يغترون بمعاني النظام ضد الفوضى، والحرية ضد الانتهاك … إلخ، وأغلب هؤلاء هو ممن تشرب نظام الدولة العلمانية التي ولد وعاش فيها وهو مقهور بأحكامها (والمغلوب مولع بتقليد الغالب، وهي ظاهرة اجتماعية، وهي من أسباب من منع المسلمين من الإقامة بديار الكفر لما فيه من الفتنة في الدين)، فهو لا يتخيل ولا يفهم وجود مجتمع الفاعل فيه هو المجتمع قبل الدولة، فهو يخشى من الفوضى والخراب.

 

المدهش أني رأيت بعض الناس: تنظيرهم الفكري كله هو في صالح تمكين المجتمع ضد السلطة، لكنهم في هذه الحوادث تحديدا ينحازون مباشرة إلى صف الدولة ضد المجتمع، فكل كلامهم في تمكين المجتمع وكل مآلات كلامهم -ومواقفهم السياسية- في تمكين السلطة ضد المجتمع!! وهو أمر لا أجد له حتى الآن تفسيرا أطمئن إليه، اللهم إلا أن بعض «المثقفين» يتحول بعد فترة إلى معاقبة الجميع على أنهم لا يقدرونه حق قدره، فيكون أول همه أن يصادم التيار السائد، فأغلب من جالستهم من هؤلاء لا يؤمن إلا بنفسه وبعض تلاميذه أو أصحابه، وأما باقي الناس فكلهم عنده جاهل كغثاء السيل.

وسائط

استطلاع الرأي

بعد انتهاء القمة الإسلامية الأمريكية: هل تتوقع تغيرًا حقيقيًا في علاقة أمريكا بالشعوب الإسلامية؟