30032017الخميس
Top Banner
pdf download

د. رقية رفاعي تكتب: نحو تربية واعية

نشرت في بحوث ودراسات
19 مارس 2017
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)
  • وسائط

وقد يلجأ المربي للكذب لتحقيق مكاسب وقتية كأن يتخلص من إلحاح الطفل وما شابه، والأولى به ان يدرك الأبعاد الكلية لذلك من انعدام ثقة الطفل فيه كذلك شعوره بالإحباط والتردد والمخاوف في حياته لاحقاً.

إن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الكريم، وبعد..

فإن غرس العقيدة في كيان الطفل وبذرها في نفسه وقلبه بحيث تصير جزءاً منه ينمو معه هو الهدف الأسمى والأولى للتربية.. وكم هي ملحة الحاجة للحفاظ على الامتداد الدعوي للأمة المسلمة عبر الأجيال، سيما في واقع تُقتلع فيه الأمة من جذورها، وتباد فيه ثوابتها.. والتعامل التربوي مع الطفل في جوانب العقيدة له خصوصية كبيرة، إذ لا يتطلب إلمام المربي بالجوانب العقدية الكلية وحسب؛ بل بالمهارات التربوية وبعض الأسس المعرفية وإتقان لغة تواصل حديثة في التفاهم مع الطفل.

 

ومن أهم هذه الأسس: اكتساب ثقة الطفل

 

 يظن البعض انه في غير حاجة لذلك، باعتبار أسلوب التربية يسير في اتجاه واحد مقرونا بسلطة الأمر والنهي، ومعززاً بالثواب والعقاب، وأنه لا وقت أصلاً لاكتساب ثقة "طفل".

 

والحقيقة أن تحول العلاقة التربوية إلى لائحة تعليمات فقط هو الفشل نفسه، فقلما تجد طفلاً في الوقت الحاضر قادراً على الاستجابة لهذا الشكل الوظيفي والمجرد و"المتعجل" من التربية، وإذا استطاع المربي تطويع الطفل لذلك، فإنه يكون قد أهدى ولاء ابنه وانتمائه لطرف آخر كان أكثر قدره على اكتساب ثقة الطفل.

 

قد يكون هذا الطرف الآخر صديق سوء وما شابه ولن يتكبد هذا الطرف الدخيل معاناة الأمر والنهي والثواب والعقاب، بل سيكون الامتثال له في غاية السهولة إذ هو مسبوقاً "بالثقة" ومقروناً بها..

 

واكتساب ثقة الطفل هو ثمرة التربية الواعية فيكون وقاية للطفل في أوقات الغياب عنه، ويكون حافظاً له إن أقبل عليه وسواس الانحراف، ليصبح الطرف الأبوي هو الراجح في وجدانه دائماً وهو الرابح في المفاضلة مع أي نوازع أخرى.

 

واكتساب ثقة الطفل فن، من أهم قواعده: مراعاة المرحلة العمرية والعقلية والنفسية للطفل:

 

وللأسف فإن شعور المربي بالمسؤولية الجسيمة أو الحماسة في الإتقان المثالي للتربية يتحول في كثير من الأحيان إلى أداة ضغط على عاتق الطفل، إذ لم يتواكب مع تلك الحماسة والمثالية التفهم والتعايش مع الطفل بمنتهى الواقعية والصبر والتعاطف..

 

وحديث النبي صلى الله عليه وسلم "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين.." أنموذج تربوي رائع في تعلم الواقعية والصبر والتعاطف في تربية الطفل حتى في أحد أهم أركان الدين، فترك لها ثلاث سنوات من الإقناع والتشجيع والتحبيب والتذكرة بلين، وهو ما يلائم هذه المرحلة العمرية ويعطي لها مساحة من التمدد الحر وفق ضوابط..

 

وبذلك يأخذ الأمر الشرعي في نفس الطفل مأخذ تطوري طبيعي، فينمو معه بأريحية نفسية، وقد اقترن الأمر به طوال ثلاث سنوات بالتحفيز مع التكرار والإصرار.

 

ولازالت حكايات التلطف مع الأطفال والتقرب إليهم في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تدهش من يلتمسها ويتتبعها كأنها منهج تربوي أصيل ووصية نبوية آكدة..

 

 حديث التسابق بالجري بين النبي، صلى الله عليه وسلم، وأمنا عائشة، فقد تزوجها النبي وهي في سن الصبا، وكانت مراعاته لطبيعة هذه السن التي تميل إلى النشاط الحركي والتنافس وبعض اللهو، لم يمنعه من ذلك أنه "زوج" وأنه نبي الأمة، واللطيف في القصة ان السيدة عائشة كانت ترويها بلا تكلف... "عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت مع النبي، صلى الله عليه وسلم، في سفر، قالت: فسابقته فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني. فقال: "هذه بتلك السبقة"، وفي لفظ: سابقني النبي، صلى الله عليه وسلم، فسبقته، فلبثنا حتى إذا أرهقني اللحم سابقني فسبقني. فقال: "هذه بتلك".

 

وفي الصحيحين أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يصلي وهو حامل أمامه بنت زينب بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها . فالحفيدة الصغيرة تشعر بالأنس عندما يحملها رسول الله، ولم تمنعه الصلاة عن ذلك، بل ان الحنان على الصغيرة في هذا الموقف يكون له أثر عاطفي جميل يظل في نفسها مرتبطاً بالصلاة.

 

وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (دخل علينا ولي أخ صغير يُكنى أبا عُمير، وكان له نغر يلعب به، فمات فدخل عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم فرآه حزينًا، فقال: ما شأنه؟ قالوا: مات نغره، فقال: يا أبا عمير ما فعل النغير.) رواه مسلم

 

"فرآه حزيناً"..  لم يفوته ملامح الحزن على وجه الطفل، ليتوقف ويسأل ويعزي ويدخل بذلك عالمه، بل عالم أخيه أنس أيضاً راوي القصة.

 

وهاهو النبي يلبس طفلة رداءاً جديداً بيديه ويداعبها تدليلا لها..

 

عن أم خالد بنت خالد -رضي الله عنها- قالت: (أُتيَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بثيابٍ فيها خميصة سوداء، قال: من ترَون نكسوها هذه الخميصةَ؟!، فأسكتَ القومُ، قال: ائتوني بأمِّ خالدٍ، فأتي بي النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فألبسَنيها بيده، وقال: أبلي وأخلِقي ـ مرتين ـ، فجعل ينظر إلى علمِ الخميصةِ ويشير بيده إليَّ ويقول: يا أمَّ خالد هذا سنا ـوالسنا بلسان الحبشة الحسنُ-) رواه البخاري.

 

واللافت أن الأطفال المعنيين بهذه القصص هم رواة الأحاديث التي تحكيها، فكأنها ذكرى وجدانية خالدة في نفوسهم، لها أثر باق عظيم..

 

واكتساب ثقة الطفل يأتي أيضاً مع وضوح الهدف التربوي فالأمر التربوي يجب أن يؤول أولاً وأخيراً إلى الأمر الشرعي، بل ويجب على المربي ان يجعل الطفل على دراية واعية بذلك، إذ أن وظيفة التربية تقررها الآية الكريمة "يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً"، فيكون ذلك هو المقصد والغاية، ومع ثبات المقصد وصلابته والصدق في طلبه، تكون قوة العلاقة بين المربي والطفل، إذ أنهما في علاقة ربانية موكولة إلى الله في حفظها.

 

 ومن الأثر النفسي الجميل لذلك عند الطفل انه يذيب لديه موروث الندية والعناد مع المربي، إذ يشعر أن كليهما محكوم بأحكام فوقية، وانه ليس بصدد تسلط طرفي، بل قد تكون علاقة متبادلة..

 

وعلى النقيض، حينما يتشبث المربي برأيه وإرادته ويتحول فرض تلك الإرادة إلى هدف بحد ذاته بعيدا عن مقصود التربية - قد يكون ذلك على وعي منه أو لا، العجيب ان الطفل في هذه الحالة يكون الأكثر وعياً فيستطيع بالفطرة الطبيعية أن يفرق بين من يقصد تقويمه تربوياً حتى وإن صاحب ذلك نوعاً من العقاب، وبين من يريد كسر إرادته لتحقيق "سلطة أبوية" مثلا.. والملاحظ أن ردة فعل الطفل عند العقاب تختلف، ففي حال خطأه يكون أكثر تقبلاً للعقاب وأكثر عذراً للمربي وتظل العلاقة بينهما مملوءة بالثقة، وفي حال التعسف معه فإنه يقاوم وعند التكرار يفقد الثقة ثم يتمرد.

 

ومع الضغوط الحياتية، قد يكون عقاب الطفل وسيلة لتفريغ هذه الضغوط، وقد يكون للانتقام بسبب تكرار نفس الخطأ أو التسبب في مشكلة كبيرة، فيتحول المربي والطفل إلى طرفي خصومة وتتهدم بذلك أسوار الثقة..

 

ومما يلزم الحذر منه: الكذب على الأطفال

 

عن عبد الله بن عامر رضي الله عنه أنه قال: (دعتني أمي يوما ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قاعدٌ فى بيتنا، فقالت: ها تعال أعطيك، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم: وما أردت أن تعطيه؟قالت: أعطيه تمرا!!، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم: أما إنك لو لم تعطه شيئاً كُتبت عليك كذبة) رواه أبو داود.

 

وقول الأم "تعال أعطيك" لم يظهر فيه قصد الكذب أصلاً، ومع ذلك فقد استوقف النبي صلى الله عليه وسلم لخطورة الأمر وألزم الأم ان تفي بما قالت وحذرها من التلاعب بثقة الطفل.

 

والكذب على الطفل لا يأتي على ثقة الطفل بالمربي فحسب، بل يكون وبالاً عليه إذ يفقد الثقة بعالمه المحيط، كيف لا وقد كان هذا المربي هو عالمه المحيط لسنوات.

 

وقد يلجأ المربي للكذب لتحقيق مكاسب وقتية كأن يتخلص من إلحاح الطفل وما شابه، والأولى به ان يدرك الأبعاد الكلية لذلك من انعدام ثقة الطفل فيه كذلك شعوره بالإحباط والتردد والمخاوف في حياته لاحقاً.

 

مناقضة الأفعال والأقوال: هو شكل من أشكال الكذب..

 

من المهم إدراك أن الطفل في حالة "تقييم" مستمر للأداء التربوي، إذ انه يضع عدة اعتبارات للمثل والقيم والسلوك التي يلح عليها المربي، ومن هذه الاعتبارات التزام المربي نفسه بها، فإذا لم يجدها واقعاً فعليا عنده، اتخذت عنده منزله رخوة، وهو في حاجة ماسة لمعرفة السبب الذي يجعل المربي يسلك طريقاً غير الذي يلح عليه فيه، واعتبار أن المربي ليس الأنموذج الكامل في كل الأحيان، فعليه أن يجعل المسافة بين أفعاله وأقواله "أقل ما يمكن"، وأحسن الأعذار له عند الطفل أنه يحاول الالتزام الفعلي بأقواله وعليهما أن يحاولا معاً..

 

وللحديث بقية..

وسائط

استطلاع الرأي

هل تستطيع حكومة الكيان الصهيوني فرض منع أذان الفجر بعد حكم المحكمة بذلك؟